على أثر الفقد..
سمعت ذات مرة مقولة تقول :
" grief is like a phantom limb "
وأعجبتني المقولة لتعبيرها عن المعنى الحقيقي للشعور المصاحب للفقد، التوق لشيء ما لم يعد بالإمكان ابقاءه صوب عينيك، الحزن على شيء لم تشعر بالاكتفاء منه بعد. وما جعل من العبارة عبارة ممثلة بحق للمعنى تشبيههم للشعور بالطرف المبتور لتمثيلها له حسياً ومعنوياً، إذ أن مبتور الطرف هو أكثر الأشخاص الذين تطول إقامة الفقد لديهم وأصدقهم شعوراً به، إذ بالرغم من فقده وبعده عن ناظرهم إلا أن عقولهم وإحساسهم الداخلي يأبى تصديق الواقع وتظل ترسم على الدوام صورة غير موجودة ولكنها محسوسة، محسوسة بكل تفاصيلها ، لمسة الهواء، الألم، الخدر، بل حتى القدرة على الوقوف والسير بطبيعية، وكذلك هو الحزن المصاحب للفقد إذ على الرغم من فقد ما ومن نحب إلا أننا نرفض فكرة التخلي الحتمي عنهم، نظل نشعر بوجودهم، نسمع أصواتهم بين الحين والحين، نلمح هيئاتهم على المارة في الطريق، نذكر كلماتهم في وسط أحاديثنا اليومية مع الآخرين ، وبطول غيابهم يثبُت حضورهم في لا وعينا أكثر وأكثر وفي كل مرة يحاول فيها عقلنا محوهم من خانة الأشياء الحاضرة على الدوام كما تحاول عقول مبتوري الأطراف محو أطرافهم الغائبة تفشل عقولنا ونتحمل نحن الخيبة، إذ لا يمكن لعقولنا إستبدال الوجود بالفراغ ولا الحضور بالغياب، لا بد من وجود بديل إن لم يكن مكافئاً فلا بد من كونه أقوى وأعمق ليحتل خانة ما كان متجذراً فينا، ومن أين لهم بأطراف مكافئة لاطرافهم ومن أين لنا بأعزاء أعزّ من أعزائنا ..
وفي ليلة أخرى مغايرة لتلك التي تأملتُ فيها ذاك الاقتباس سمعت مقولة أخرى يقول فيها صاحبها :
"grief is all the unexpressed love that we didn't tell , and I hope this grief stay with me "
وكم أدهشتني الفكرة وكم أنها جاءت لتكمل المقولة السابقة وتقوم بتحويلها بطريقة جميلة لحقيقة أقل إيلاماً وأكثر تقبلاً، إذ يعني القائل بقوله أن هذا الشعور المصاحب للفقد إنما هو الوجه الآخر للمحبة والعاطفة التي عجزنا عن التعبير عنها، ذاك الإمتنان لوجودهم الذي لم نتمكن من إيصاله، تلك الطمأنينة التي منحنا إياها مجرد وجودهم، تلك البهجة التي أضفوها علينا والتي لا تزال مستمرة حتى بعد غيابهم فقط لمجرد ذكراهم، تلك الإلفة التي أورثونا إياها للدرجة التي جعلت من نسيانهم بمجرد غيابهم أمراً عصيباً ومستحيلاً على الذاكرة، وأنه طالما هذا الشعور موجود فهذا يعني أن فؤادنا لا زال يملك من المحبة ما عجزنا عن إخبارهم به ذات يوم، وأننا نعجز عن نسيانهم ونستمر في إيهام أنفسنا بوجودهم أملاً في تحرير ما تبقى بداخلنا من وجد وإخبارهم بما عجزنا عن إيصاله حينما كانوا هنا أمام حدق أعيننا .
في الأخير نظل نداوم التفكير فيهم بغزارة أكثر من تلك التي كانت حين كانوا خوفاً من النسيان، إلا أن تلك الغزارة تجعل من المستحيل لادمغتنا القيام بعملها الطبيعي في محو ما هو غائب وتثبيت ماهو حاضر، لتقوم بتثبيت ماهو غائب كحاضرٍ دائم الإقامة عصيُ النسيان، ربما كقدم أو شيء إعتدنا الاتكاء عليه ..

تعليقات
إرسال تعليق