لِم نَبكي؟
لِكُلِّ دَمْعٍ جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ سَبَبُ
- البارودي.
قرأتُ قول البارودي وأنا اتفكر في المرات التي خانني فيها دمعي، تلك المرات التي كان من المفترض أن ينهمر دمعي فيها غزيراً كالبقية من حولي، أو تلك المرات التي كان من المفترض أن يلازم فيها دمعي محاجره دون أي تأثر ولكنه سال دون أدني وعي مني، وبالرغم من غرابة هذه المواقف إلا أنني دائماً ما كنت موقنة بأن عملية البكاء وسكب الدموع على أي موقفٍ كان أمرٌ عجيب تماماً بل وضروري للغاية ولذلك فإنني دائماً ما ألحظ ترافق شدة تأثير موقفٍ ما علي بسيلان دموعي سواء كان أمراً حزيناً أم جميلاً وبالأخص الأمور الجميلة إذ أنني أميل للتأثر بالجمال وبسرعة عجيبة ...
ثم ذات يومٍ ما لا أذكره من أيام حياتي التي تشكل خلالها ذاك الوعي بتفاعلاتنا الانسانية وما يحدث بداخلنا إثر تجارب عدة، سمعتُ أحدهم ذات مرة يصف البكاء بأنه رحمة ورحمة ربانية غُرست بداخلنا نحن البشر ذو التركيب الهش لشدة حوجتنا لتلك الرحمة التي تغشى قلوبنا بعد مواقف لم نجد لها حلاً سوى ذرف الكثير من العبرات وإلا اختنقنا لعجزنا عن التنفس والتنفيس بما هو مكبوت داخلنا..
وربما لاحظ الكثير منّا إحساسه بالراحة والخفة بعد ساعات من البكاء حتى وإن حدث متأخراً وبسبب تراكمات عديدة، ذاك الهدوء الذي يتبع العاصفة والاحساس بالنعاس والرغبة في نوم هادئ يمحو ما تبقى من هموم، تلك اللحظة التي تزول فيها عبراتك وتستشعر زوالها في ملوحة دموعك ودفء حرارتها على وجنتيك، تلك الراحة التي تجعلك ترغب في مواصلة البكاء حتى وإن استهلكت آخر قطرة علقت بثقل في جفنك...
وما أصابني بالدهشة قبل ليالٍ قليلة معلومة عجيبة عن الدموع وعن السبب وراء إحساسنا بالراحة بعد البكاء وأثبتت لي حقيقة أن الدموع ما هي إلا رحمات، إذ يميل عقلي للتيقن تماماً دون أدنى شك إن ما خاطبته بالتفاصيل والحكمة وراء الاشياء. ربما يعتقد البعض عند سماعهم لذلك أن القصد ربما يكمن في حماية العيون من الجفاف وبذلك ضمان إتمامها لوظيفتها على أكمل وجه، ومن البديهي أيضاً أن يدحض البعض هذا الظن بأن تلك الفائدة ليست المقصودة من البكاء المتواصل والدموع المنسابة والمصاحبة لاشتداد العاطفة إذ أن بضع قطرات من الدموع كافية لحماية العين من الجفاف، ورغم بساطة الأمر ظاهرياً إلا أن هذه الفائدة لوحدها رحمة ودافع للامتنان يحتاج تدوينة أخرى للتفصيل فيه وربما أتحدث عن البصر في مقام آخر إلا أن تدوينة اليوم مخصصة للبكاء العاطفي إذ أن أول ما أثار عجبي في المقال الذي قرأته وجود مصطلحين مختلفين تماماً وهما الدموع كرد فعل طبيعي basal/reflex tears - وهي المنوطة بترطيب العين - ودموع العاطفة emotional tears، والاختلاف ليس فقط في مجرد التسمية الذي هو كافٍ لوحده تماماّ لاثارة العجب بل يكمن في اختلاف النوعين في تركيبتهما الكيميائية كمركبات . إذ يزيد النوع العاطفي على النوع الأول في احتواءه على مواد يتم إفرازها في الدموع ضمن عملية يطلق عليها The release valve theory وما أدهشني هو نوع المواد التي ميزت هذه الدموع عن غيرها إذ تحتوي على هرمونات يتم إفرازها أساساً داخل الجسم للتعامل مع التوتر والمواقف المُقلقة cotisol/ ACTH وهي ما تجعلنا نشعر بأن ذاك الهم الثقيل بات أخف حتى وإن لم نجد أجوبة أو حلول فعلية له. تحتوي الدموع العاطفية أيضاً على مادة مهدئة ومهمة جداً داخل أجسادنا بل ويطلق عليها قاتلات الألم نظراً لتأثيرها كمخدر ومزيل للألم وهي مادة الـ leu-enkephalin ، وقتها وعند قرائتي للمقال شعرتُ برغبة عارمة في البكاء امتناناً لوجود تلك المادة في دموعي والتي قتلت وبخفة ودون أي أثر الكثير من الآلام التي غرستها فيّ همومي. هذا غير احتوائها على فائض أجسادنا من المنجنيز والذي ترتبط زيادته بالاكتئاب والقلق المفرط. والمكوّن الاخير ضمن المكونات العجيبة مخصص لنّا معشر الجنس المتعاطف واللطيف وهو هرمون ال prolactin دُهشت في بادىء الأمر لتواجده إلا أنني سرعان ما استوعبت بل وتقبلت حتمية وجوده ضمن تركيبة دموع العاطفة كيف لا وهي أوفر ما لدينا نحن معشر النساء، كيف لا ونحن نذرف دموعنا ليل نهار حُزناً، تعاطفاً، فرحاً، إفتناناً، خوفاً، حنيناً، امتناناً، شوقاً، شغفاً، والكثير والكثير من العواطف التي أعجزُ عن تسميتها الآن وعلى الكثير من المواقف التي قد يظن غيرنا أنها تافهة أو بسيطة أو ليست داعياً لاثارة الجدل، ولكنهم لم يدركوا شدة حوجتنا لها ونحن نعاني من تكدس التفاصيل داخل أدمغتنا الشبكية، ونجد أنفسنا ورغباتنا وذكرياتنا في أي شيء وكل شيء، وأشد ما نحتاج تعاطفنا حين نلمحُ طفلاً بعيون واسعة ولسان أجوف ولكنه يضج بالحديث وبالرغبة في التواصل فيدفعنا تعاطفنا ذاك لنكون حلقة تواصله الاولى مع العالم من حوله عبر ذات الأعين التي تفيض منها هذه الدموع، للدرجة التي جعلت من الأطفال العاجزين عن الانتباه والتركيز مع هذه الأعين أطفالاً عبثت بهم أطياف التوحد.
وفي هذا السياق أذكر رفيقة بل رفيقات ظللن يدفعنني لتحرير عبراتي بدمعة او اثنتان، ظللن يؤكدن لي بأنني إن بكيت سأرتاح، وقد حدث وصدق نصحهم في الكثير من المرات ومن وقتها وجدتني أحث الكثيرين من حولي للبكاء دون الخوف من وصمة المجتمع من نحو ما يصفونك به حينها كضعيف الشخصية أو سريع التأثر، ولولا علم الله بشدة حوجتنا لهذه الدموع لما أوجدها فينّا بل لما وُجدت بهذه الدِقة المتناهية في موافقة ما يحتاجه المرء عندما يعتريه القلق..
أجدني اليوم متأثرة بالكثير ومتشعبة في أفكاري وربما أكون قد تجاوزت بعضها وأسقطته سهواً، إلا أنني عزمتُ على تفريغ ما أدهشني دون أدني اهتمام بتوافق الافكار وتناسقها وسلاسة التدوين وفي الحقيقة أجلّتها كثيراً ضمن الكثير من التدوينات الاخرى تحججاً برغبتي في ترتيب افكاري إلا أن افكاري في الاونة الاخيرة تأبى الانتظام..
وفي النهاية أرجو مشاركة النص مع من يزعمون " أن لا فائدة تُرجى من البكاء".
![]() |
| اللوحة والكلمات المنقوشة أسفلها تعود للرفيقة الرائعة فائزة كمال |
مصادر للإطلاع :
https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/0002939481906516
https://yalebooks.yale.edu/2025/07/24/what-do-we-know-about-tears/

شُكراّ لأنك بتكتبي ما نعجز عن قوله ❤️❤️
ردحذف