هل نسير في خط مستقيم أم دوائر متعددة ؟

 


صفقت هذه الحقيقة على خدّي لأول مرة أثناء حديث ولنقل محاولة مستميتة لإيجاد حل ينتشلني من ظلمات الشك والتردد وعدم اليقين بقراري ذات يوم، حيث بادلني النصح رفيق أعتز بمعرفته حتى هذا اليوم إذ دائماً ما كنتُ أخرج من حديثي ونقاشي معه بفكرة تُضئ في ذاكرتي عن حوجتها. لستُ أدري إن كان مُدركاً لحقيقة تناسب ردوده وأفكاره مع ما أقلقني أم أنه واسع الحيلة وتحليلي بالفطرة ..

المهم هنا ليس صفات ذاك الرفيق وإنما تلك الحقيقة التي أدركتها للمرة الأولى، وكم كانت صادمة ومطمئنة في الوقت ذاته..حيث ترافق ذاك الإدراك مع الخوف من عدم اللحاق بكل ما يدور حولنا وبالتحديد ما كنت قلقة بشأنه حول تفويت تحصيل علم معين أو تعليم أكاديمي بالكفاءة المطلوبة - حسب مقاييسي القاصرة آنذاك - إذ دائماً ما تنامى بداخلي الهلع من تفويت أمرٍ ما أدركه آخرون غيري أو تفويت أمر يتحتم علي اكتسابه في عمري الحالي كبقية أقراني. ليرد علي وبكل بساطة : أن ما أظنه خطاً مستقيماً - ذو بداية ونهاية وأن أي تعرج ( فشل ) في هذا الخط سيعرقل بالضرورة كل ما هو آتٍ بعده- ليس إلا دائرة ندور بها. وأن ما نعجز عن إدراكه في لحظة لابد من إدراكه لاحقاً - بالتحديد ما كنتُ قلقة بشأنه من التحصيل الأكاديمي وما عداه - فما إن ندرك هذه الحقيقة حتى يتبدل الاحباط إلى رضا وتركيز على الفرص القادمة. وبالطبع فإن حتمية إدراك ما فاتنا إنما هو مربوط بحقيقة الأرزاق المكتوبة لكل منا. في تلك اللحظة غزاني شعور من الطمأنينة والرضا وبات يقيناً راسخاً في داخلي استحضره على الدوام عند منعطفات الحياة الباعثة للشك. ومن بعد تنبهي لتلك الحقيقة بتُ انتبه بوضوح لتكرار الفرص ولحاق ما ظننته قد فات بل والتعجب من أمور ظننتها دون فائدة أو معنى يُذكر لأدرك فائدتها وتكاملها مع أمر آخر كان لابد له من تلك الامور ليبنى عليها ويكتمل بها ليضحي بدوره ذو معنى وقيمة. ومن تلك النقطة والمحادثة القديمة جداً توسع مفهومي للدوائر لتشمل ليس فقط التحصيل والعلم والأرزاق بل العلاقات والافعال ونتائجها ، إذ أن تلك العطاءات غير المردودة والعاطفة غير المشروطة والبذل غير المقيد ليس بالضروري أن تكتمل دائرتها بذات الطرف إذ ربما يكون من يكملها طرف آخر بعيداً تماماً عن مجال توقعاتك، وليس بالضروري أن تكون أنت نفسك صاحب الفائدة النهائية إذ ربما تكتمل الدائرة عند شخص آخر لا علاقة له تماماً بالامر ليعود لك الأثر على هيئة ثانية لست واعياً بها إلا أن الحقيقة الباقية دائماً أن لا شئ مبذول ضائعٌ البتة .. 

وبذلك تعلمت المضي في الحياة بأيادي ممتدة لتبذل لا لتستقبل، وأن العمر ليس ماراثوناً تتسابق فيه مع الغير بناء على معطياتهم المختلفة عن معطياتك، وإنما هي حلقات ودوائر متصلة بعضها ببعض كل منا يدور فيها بالطريقة المخصصة له وبسرعته المناسبة ربما تكون دوائرنا متباعدة، أو متطابقة تماماً أو ربما تتقاطع مجرد تقاطع طفيف لفائدة نجنيها من غيرنا كتلك اللحظة التي تقاطعت فيها حكمة ذاك الرفيق مع شُح يقيني وقلقي ..


-بالرغم من كتابة النص منذ فترة طويلة إلا أن موعد نشره قد تأجل مرات عدة وقمت بنشر نصوص أحدث منه وبالرغم من عدم وجود سبب محدد إلا أنني دائماً ما كنتُ مُوقنة أن لكل شئ توقيت محدد ومتناسب تماماً مع معطياته إذ وجدتُ نفسي اتذكره فجأة في خضم بداية جديدة للكثيرين ومن بينهم أنا و أمر مؤكد أن بداخل كل منا تلك النسخة القلقة من ذواتنا والتي تستيقظ مع البدايات الجديدة، وبذلك يكون الوقت قد حان لخروج النص للنور..





تعليقات

  1. ❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️دائماً نصوصك ي رنا بتلمس نقطة فيني، لا جفف الله لك قلماً ياخ! ❤️

    ردحذف
    الردود
    1. بكون سعيدة جداً لما النص يلمس نقطة في القارىء وكأنه هو صاحبه ❤️.

      حذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مواعيد الأسنان المُؤلِمة أو المُلهِمة...

يا المولع ناري..

فن المُلاحظة؟

أينما حللت كُن غزيراً،مُتجذراً وأزهر...