لمحة من جـريدة
مر وقت طويل منذ آخر مرة عاودتني فيها قريحتي، وكأنها هجرتني ملامةً لانشغالي عنها بما دونها ..
ولكن ها هي تلوح لي الآن مع إحساس عارم بنشوة الكلمات، إذ أجدني مندفعة للكتابة بدافع الفضول، الفضول الذي انتابني وانا أختلس النظر لذاك الرجل ذو المعطف الكبير وهو يجلس قبالتي حاملاً بين يديه جريدة لأحد المكاتب المحلية للمدينة التي أقيم فيها حالياً، وقد شدنّي لاختلاس النظر واقتحام مجاله الخاص أسباب عديدة أولها حمله للجريدة وكأن هذا المنظر بالتحديد قد بات أمراً نادر الحدوث في يومنا هذا وكأنما هي برديٌّ قديم لا يقتنيه الجميع ولا هو محط اهتمامهم. أعجبني المشهد للغاية وهو يتنقل بسلاسة بين مواضيع الجريدة وبدلاً من نقر شاشات اليوم أجده يصنع مربعات ومستطيلات عديدة لتركيز نظره على موضوع محدد دون غيره. ثم فجأة اشتعلت بداخلي الرغبة في اجتياز الحدود أكثر من مجرد اختلاس النظر وذاك عندما لمحتُ بين العناوين العديدة عنوان لمقال أدبي بعنوان " الفيلسوف الشجاع!" يا إلهي كم أنه عنوان جاذبٌ للفكر وللتأمل وكم شدنّي لسؤاله أن يسمح لي بقرائته وذاك لعجزي عن قراءة هذا المخطوط المضغوط بهذه الحروف الصغيرة من على هذا البعد، ولو أن لذلك الرجل قدرة على رؤية ألسنة النار التي اتقدت في عقلي إثر ذاك العنوان لهوى بالجريدة على رأسي المشتعل حالاً!
يا ليتني أكون شجاعة كهذا الفيلسوف تماماً، يا ليتني أستطيع وبكلمة واحدة ونظرة واضحة أن أوصل شدة تعلقي بالأدب وبالأعمدة الادبية في الصحف، ولكن وفي نهاية الأمر فوتت الفرصة إثر طيّ الرجل للصحيفة ودسّها بحذر من أعين المتشككين في قاع حقبيته الجلدية واستيعاضي عن القراءة بمجرد الخيال عن الفيلسوف الشجاع، الخيال الذي دفعني لكتابة هذا النص حتى أستكمل خيالي ما إن أهبط من البص وانسى الفكرة عند عودتي للعالم الذي احتجزني طويلاً في الايام الاخيرة ..
------------------------------------------------------
وها أنا ذا وعلى بعد أيام من تدوين هذا الموقف الجميل اتسائل وأنا أدقق النص لغوياً إن كان المسمى الصحيح " جريدة" أم "صحيفة " كعادتي مع الشك المغروس بعمق داخل أي كاتب، ذاك الذي يمحو ماهية وحقيقة الكلمات من إدراكنا أحياناً فتبدو غريبة ومستهجنة وبحاجة للتأكد ..
ولكنني أعتقدتُ وقتها أنه من الافضل استخدام لفظ جريدة لقدم اللفظ في حد ذاته كقدم فكرة استخدامها والمداومة عليها، ولاستشعاري لمعنى التجرد فيها، التجرد من التضليل والتزييف الذي نعيشه بين صحافة اليوم ولذلك لم يُحبب لي وقتها استخدام كلمة صحيفة ..
وبعد بحث سريع عن تاريخ الكلمة وجدتها مذكورة بحرص ككلمة مُعرّبة من كلمة " journal " في أحد فترات العصر العثماني على لسان روائي لبناني أكاد أسمع تعطّش حرف الجيم وهو يقنعهم بلفظ جريدة ككلمة عربية بدلاً من الاستمرار في استخدام كلمة جورنال الفرنسية. إلا أنه لن يكون انتقالاً كبيراً إن قام وقتها بتعطيش الجيم كچيم لبنان اليوم !

❤️❤️❤️
ردحذف