إمرأة عامِرة.

 



-ما هو نوع المرأة التي تعتقدين أو ترغبين في أن تكوني عليها ذات يوم ؟ 

في ذاك الحين الذي طُرح فيه هذا السؤال خلال حوار عادي في تجمع ما لا أذكر تفاصيله، لم تتطرأ ببالي فكرة محددة وواضحة عن ماهية الإجابة المناسبة ولم يتشكل بداخل عقلي ذاك التصور عن أن للمرأة مستقبلاً أنواع، إذ اعتقدت أن لجميعنا كنساء قالب محدد لابد من الانصباب بداخله ذات يوم وأن تلك العملية عملية تلقائية تحدث مع مرور الأيام دون وعي منا أو جهد مبذول . وفي مرحلة ما خلال عمري نشأت فكرة أخرى تضاربت بشدة مع الفكرة المغروسة بداخلي وعارضتها بصخب داخل رأسي وهي الفكرة التي تدعو لفكرة الاستحقاق الذاتي وملحقاته، إلا أنني وللحقيقة لم أكن مؤمنة بأي من الفكرتين على حدا ودائماً ما تواجد بداخلي ذاك التشكيك بما يروج له العالم من حولنا وفي ذات الوقت رافضة تماماً للنمط التقليدي...

وذات مساء كنت اقرأ فيه كتاباً بدأته منذ فترة، قرأت بعيني سريعاً عنوان الفصل الثالث المقرر قرائته، أذهلني العنوان وحرك شيئا بداخلي، ولنقل أرسى القواعد لفكرة وجدت الطريق لعقلي منذ حوالي عامين من الآن، ورغم كونه آخر الاسباب الدافعة لنضوجها كفكرة وحثي على كتابة هذه التدوينة إلا أنني أحببت الابتداء بها كاقتباس أضمَّنُه إجابتي على السؤال المرفق أعلاه ... 

The kind of woman I would love to be, is the woman who changed her mind/brain and others too

تلك المرأة التي غيرت عقلها وعقول الآخرين من حولها - جزء الآخرين من حولها ملحق من عندي للدلالة على أثر تغيير عقلها – هي مؤسسة برنامج تدريبي وتعليمي يُستخدم اليوم في مدارس كثيرة حول العالم لتعليم ومساعدة الأطفال ممن يعانون من صعوبات التعلم وممن ولدوا بمصاعب ذهنية وعقلية. والتغيير الذي كتب من أجله ذاك الفصل في كتابٍ يناقش موضوع المرونة العصبية هو التغيير الجذري الذي أجرته على عقلها تركيبياً ووظيفياً وتغيير شخصها من شخص ميؤوس في تَغيُّره واستجابته وتفاعله مع العالم من حوله إلى شخص أضحى عنواناً للأمل للكثير ممن خيم عليهم ذاتُ اليأس، حيث ولدت بصعوبات تعلم شديدة ومشكلات عقلية جمة لا يسعني الوقت لتفصيلها وهو ما أغلق أبواب مدارس ومعاهد كثيرة في وجهها وهي طفلة جُلّ ما كانت تدركه حينها أن بداخل رأسها مشكلة دون إدراك ماهية تلك المشكلة وطبيعتها وعاشت أعواماً مديدة مع معاناة جهل العالم في التعامل معها وجهلها عن حقيقتها وحقيقة العالم الذي تواجدت فيه، الى أن قادتها الأقدار لمُصاب آخر بذات المعضلة من خلال صفحات كتاب قَصّ فيه سيرته الذاتية وماهية المشكلة التي يواجهها ليتشكل بذلك إدراكها الأول في الحياة وهو إدراك ماهية ما يدور في عقلها، والسبب الذي مكّنَ ذلك الشخص من التنبه لمشكلته ومنعها هي من ذلك ليس نباهة وحِدّة ذكاء ذاك الجندي ولكنه التوقيت فحسب إذ اختبر ذلك الجندي معنى أن تكون طبيعياً وبذلك يتمكن من إدراك النقص بمجرد حدوثه إثر إصابته خلال أحد المعارك، ولكنها لم تختبر ذلك البتة حيث ولدت دون أن تدرك الفرق بين عقل طبيعي وعقل معطوب. وبعد فترة من إدراكها لماهية المشكلة صادفتها ورقة بحثية من أولى مثيلاتها في مجال المرونة العصبية لتجارب على أدمغة حيوانية تُثبت فقط وفقط حقيقة أن الدماغ ليس كما نظنه ذو تركيب ثابت لا يمكن تغييره ولا تعديله وأن ما فُقد لا يمكن تعويضه البتة، بل أن الدماغ عضو مرن للغاية ويمكن تغيير تركيبه ووصلاته العصبية بل وتطوير الموجود منها وبصورة مدهشة وذاك فقط بتغيير البيئة المحيطة ببيئة محفزة لبناء تلك الوصلات العصبية المسؤولة عن الصفة أو الوظيفة العقلية المرغوب في اكتسابها، من خلال التدريب المكثف وتغيير العادات والسلوك. وبالرغم من أنّ للمحيط تأثير كبير إلا أن الجسر الوحيد الموصل بين العالم وأدمغتنا المعزولة عنه هي ذواتنا وشخصنا فقط لا غير، إذ أن الدماغ لا يرى التجارب التي نختبرها ولكنه يتعرف على سلوكنا، عاداتنا، ردات فعلنا، وما نصدقه ونؤمن به. فمتى ما تغير شيء فينا على المدى الطويل تتشكل وصلات عصبية جديدة بناء على ذلك، وتلك الوصلات تضحي مرجعاً موثوقاً تعتمد عليه عقولنا حتى ننجو، وحقيقةً هذا هو الهدف الأسمى للمرونة العصبية، التكيف مع ما يحيط بنا من خلال تغيير مستمر بعدد اللحظات والتجارب التي نعيشها، الذكريات التي نكتنزها، العادات التي نبينيها، العلاقات التي نُبقيها، لننجو ونعيش بأفضل صورة ممكنة. ونقطة القوة الحقيقية تكمن في اللحظة التي نكتسب فيها الوعي بهذه القدرة وهذه الخاصية فشتّان ما بين من يدرك ومن لا يدرك ومن هو واعي ومن هو غافل، فالوعي يُكسبنا القدرة على التغيير والقدرة على التناغم مع ما يدور بداخلنا، وهو ما تحاول كتب التربية البشرية وعلوم النفس إكسابنا له في الأعوام الاخيرة ولو كانت الوسيلة غير موثوقة قليلاً - في نظري - من خلال تملكينا مفاتيح التأثير على عقولنا وتغييرها.

وهو ما قامت به المرأة التي غيرت عقلها وعقول الآخرين إذ من خلال تربية نفسها وتنشأتها من الصفر وتشكيلها بالتدريب المكثف ومحاولة تعويض ماهو مفقود وتنشيط ما هو خامن واكتساب ما ماهو جديد بداخل دماغها، نجحت في بناء الشخصية التي ربت أطفالاً آخرين بذات معاناتها وبذات اليأس الذي كانت عليه، من خلال تغيير عقلها غيرت عقول الأطفال وذويهم، المؤسسات التعليمية، علماء ومؤثرين، بل العالم أجمع . 

ربما يستشفُ البعض من إسهابي في الحديث عن الشخصية أعلاه أنني ربما اقتصر التغيير المنوطة به المرأة على التغييرات العلمية الضخمة أو الادوار الكبيرة في المجتمع، أو حتى المهمات المستحيلة، ولكن لتتكتمل الفكرة التي أرغب بحرص في ايصالها كاملة لابد لي من سرد دورين اخرين، احداهما لسيدة عربية مؤثرة للغاية وذات شخصية قوية وعقلية واضحة لا يشوبها شائب ربما لا يعرفها الكثير من الناس ولكن إسمها لا يمكن أن يغيب في أي محفل ومقام يتحدث عن التربية وأساليب التربية، تلك السيدة التي لا تكف عن الدعوة لطريق أوحد ألا وهو تربية النفس وبذل الجهد لتكوينها من أجل تربية وقولبة عقل طفل، إذ أن الطفل كائن محاكي بطبيعته ويتشرب الطباع التي حوله بطريقة عجيبة، وما أعجبني في مبدأها هو حقيقة أن هذه المهمة ليست ذات توقيت محدد ولا يبدأ وقتها بمناسبة محددة كما يعتقد أغلبنا ولكنها عملية ممتدة على طول حياة المرء وتجربته في الحياة إذ أن شخصياتنا تتكون منذ بداية حياتنا منها ماهو بدون وعي منا ومنها ماهو بوعينا الكامل- وما أعنيه بالوعي هنا وجود القُدرة على الوعي لا حتميته - وأهمها هو ما يقع تحت وعينا وملاحظتنا حتى أن المرونة العصبية المذكورة أعلاه والمسؤولة عن شخصياتنا باختلافها تكون في أوج نشاطها وأوسع إمكانياتها خلال فترة شبابنا وعشرينيات عمرنا وهي الفترة التي نواجه فيها العالم من حولنا بعيداً عما هو مألوف. وحديث تربية النفس والحديث الدائم مع النفس ومجال ال self-reflection&metacognition  واحد من أهم الامور للتعايش في مجتمعات اليوم والذي وددت لو أمكنني عكس لمحة عن اعتقادي عنه لأهميته ولتأثيره البالغ علي ولكن وكعادتي المؤسفة ربما أكتُب عنه في مرات قادمات.    

وبهذا نعود للمؤثر الأول وصاحبة الشرارة الأولى للفكرة وهي صديقة عزيزة علي، شخصية بارزة في وسط جميع من يعرفونها، وحدث ذلك خلال ظهيرة ما في الماضي تجولنا فيها سوية في أحد متاجر الكتب العامة أدهشني في ذلك اليوم حجم المفارقة بين تفضيلاتها وتفضيلاتي في الكتب رغم كوننا متقاربات نوعاً ما عمراً ومجالاً واتفاقنا في كتب سابقة، إذ كانت تتنقل بين أقسام التربية والتعامل مع الأطفال وكيفية فهمهم والتأثير عليهم وانغمستُ أنا في الأقسام فلسفية فارغة وأعمال روائية ظننتها عظيمة وباتت اليوم في نظري في منتهى الهشاشة، وكانت تلك المرة الأولى التي ألحظ فيها هكذا اختيار وهكذا تفكير، ومن خلال حوارات أخرى مع ذات الرفيقة وملاحظات حول شخصيتها تبلور في داخلي انطباع جميل وجذاب للغاية عن شخصيتها الفريدة إذ دائماً ما تلحظها وهي في خضم تربية نفسها وتشكيلها بطريقة تضمن لها التأثير بطريقة سليمة على من حولها، وكانت ذات وعي كبير بنفسها، تفضيلاتها ومسؤولياتها في الحياة وعلى ذات القدر مرحة ومبهجة بأسلوبها الفريد ومؤثرة للغاية لا تكاد تلحظها مرة حتى تذكرها مدى العمر بل وتنتبه لاثرها على شخصيتك حتى . 

وفي النهاية نتاجاً لتجاربي العميقة مع هذه الشخصيات سواء من خلال الكتب، الانترنت، أو. الواقع وغيرهن ممن لَحظت تصرفاتهن ولم أعهدهن شخصياً، أظنني وجدت إجابة كافية للسؤال الذي بدأت به هذه التدوينة.. أن أماثل تلك المرأة التي لا تكف عن تربية وتغيير نفسها، التي لا تكف عن الملاحظة والمحاولة الدائبة للتعلم، عن بناء ذاتها بطريقة تمكنها من بناء حياة بدأت بها وشملت في خضم حدوثها كثيرين، أن تنبته لمن وماهو حولها وألا تعيش بين ظلمات الفراغ وغياهب الجهل والماضي، سواء أكان ذلك بتغيير عقلها تركيبياً ووظيفياً، أو تربية عاداتها، سلوكها، وتتثبيت مبادئها واعتقاداتها، أو بتبني معارف غيرها وصقل تجاربها، والأهم من ذلك كله عدم الكف عن المحاولة لا سعياً وراء البروز بل سعي محض وراء مستقبل يكُنّ به من يُغير لا من يتغير، من يُربي لا من يقف حائراً لا يدري من أين يبدأ، من يعلم ما يعنيه عقل طفل لا من يظنه كسائر العقول، ومن يعيش هذه الحياة وهو واعٍ بها لا من يعيش غافلاً يُحركه التيار.



-ملاحظة: أطلت الحديث هذه الليلة ولكنني لم اكتف بعد الصراحة ولم اكتب عن النص المؤجل بعد لمن ظن أن هذه التدوينة هي ما أشرت لتوقي للكتابة عنه في التدوينة الأخيرة.



لمحة عن الشخصيات المذكورة في التدوينة : 

Barbara Arrowsmith: the woman who changed her brain

-  أحد لقاءات د. آلاء نصيف 

تعليقات

  1. شهادتي مجروحة ولكن، كنتي ولا زلتي ذات أثر وتغيير متجدد في حياتي وافكاري ونظرتي للاشياء ❤️💫
    ودائما ستكونين ذاث اثر إيجابي على من حولك وهذه المدونة خير دليل 💙

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

يا المولع ناري..

فن المُلاحظة؟

أينما حللت كُن غزيراً،مُتجذراً وأزهر...

هل نسير في خط مستقيم أم دوائر متعددة ؟

لِم نَبكي؟