بين شرودٍ وعيون.

 

رسـم الرفيقة فائزة كمال

 

 

 كادَت عُيونُهُمُ بِالبُغضِ تَنطِقُ لي

حَتّى كَأَنَّ عُيونَ القَومِ أَفواهُ.

-بهاء الدين زهير


خلال أحد محاضرات يوم السبت الغريب والتي كانت تدور حول فحص قاع العين والمناظير، وعلى غرار غرابة يوم السبت إلا أن المحاضرة كانت مثيرة للعجب نوعاً ما إذ أثار عجبي المشهد دقيق التفاصيل المضغوط بأعجوبة في ذاك الإطار الدائري ومدى ما يمكن معرفته من خلال العين فقط كما اخبرتنا المُحاضِرة من خلال مقاربة لطيفة عن كون العين بوابة لمعرفة شتى أحوال الجسد لا البيولوجية فقط وذاك ماهو جديد على ادراكنا بل وحتى العاطفية وهو ما ندركه جميعنا منذ سالف الزمان وهو ما يظهر جلياً في آداب وفنون من سبقونا. ولكن ما دفعني للتدوين الليلة ليس ذلك بل معلومتين فنيتين وتأمليتين بامتياز وهو ما استثارني كمتأملة لا كطالبة.. الأولى معلومة قديمة أعدتُ إدراكها وأنا أراقبُ حركة بؤبؤ العين أثناء اختبار العين والصغر والاتساع اللذان يطرآن عليها مرات كثيرة خلال اليوم تحت تحكم جهازين عصبيين وأخصُ بالذكر جهاز ال sympathatic nervous system أو ما يعرف بالجهاز العصبي الودّي وهو ما يعرّف في العموم بجملة " fight or flight " للإشارة إلى كونه مسؤولاً عن حالات التوتر والطوارئ التي تواجه الانسان ليستجيب إما بالهروب أو المواجهة، ,ولكن يحبب لي تعريفه بطريقة أخرى عِوضاً عن هذا التعريف وذلك لظلمه لأصلِ التسمية والتي تعبّر عن جانب آخر - غير مُهدد للحياة - للجهاز الودّي وهو كونه ودّي وتعاطفي حيث تعود تسميته لكلمة sympathy والتي تعني التعاطف، حتى التسمية العلمية حين أُطلقت عليه إنما أُطلقت لوصف حالة عمل جميع أجهزة الجسد واجزاءه بصورة متناغمة ومتعاطفة تحت الظروف غير المألوفة من أجل النجاة . وسبب انحيازي للتعريف العاطفي هو إدراك معنى هذه التسمية كناطقة بالعربية - يُعجزها فهم مضمون الكلمة الغربية فهماً كاملاً-  أثناء مُلاحظتي لعيون الأطفال المُتسعة على الدوام وعيون الأمهات في المواقف التي يفضن فيها عطفاً بل ومن الممكن للجميع أن يلحظوا ذاك الاتساع على حدقات عيونهم في لحظات سعادتهم المُفرطة ولحظات تعاطفهم مع من حولهم ولحظات رؤيتهم لما ومن يحبون إذ تُطالب أعيننا في تلك الحظات بكميات كبيرة من الضوء والموجات الضوئية المُنعكسة من تلك المشاهد والشخصيات لرؤيتها بأكمل وأوضح وأبهى صورة، حتى تتمكن من إبصار ما نحبه وما نعطف عليه بصورة جلية، ونظراً لكون البؤبؤ هو المدخل الوحيد للضوء فإن حدقاتِ عيوننا تتسع بأقصى صورة ممكنة وذلك تحت تحكم الجهاز الودّي المذكور أعلاه وبذلك ارتبط في ذهني مبرر تسميته بالودْي باتساع حدقاتنا عند تعاطفنا مع من وما حولنا .

 أما الأمر الثاني فهو مُقتبس من ظواهر الفضاء البعيد وعلم الفلك وهو ما أثار في نفسي المتأملة البهجة عند ملاحظتي لذلك التشابه أثناء جلوسي في قاعة المحاضرات وتركيزي المستميت مع عرض الشاشة ومغالبة النوم الذي تلاشى بمجرد عرض تلك الشريحة التي تحوي صورة لحالة مرضية في قاع العين لانسداد أحد أوردة العين او CRVO ومنذ البرهة الأولى وجدتني أفكر في صمت ( يا اللّه وكأنها عاصفة شمسية ) لأجد المُحاضِرة تقول ما جعلني أعتقد أنني ربما فكرت بصوت عالٍ قليلاً حيث أخذتْ تَسْتَرجِع التسمية الشهيرة لهذه الحالة لتضعنا بين خيارين sun storm fundus أو blood and thunder fundus ولكنني وكعادتي الانحيازية قررت اختيار ما توافق مع خاطرتي على الرغم من أن المصطلح الثاني هو المتفق عليه .. على أي حال وجدتني أزداد عناداً وأتلمسُ أعذاراً واهية لصاحب التسمية فربما يكون مقتصداً في اطلاعه على علم الفلك ومكتفياً بمتابعة أحوال الجو وربما جُل ما كان في ذخيرته البصرية عن العواصف العواصف الرعدية فقط ولم ير عاصفة شمسية من قبل ولكن المُحاضِرة سمعت أفكاري العالية مرة أخرى لِتُحبطني وتهزم غروري وتصف صاحب التسمية والملاحظة بقولها :( على العموم ده إنسان فارغ !)

 ربما تكون هذه الملاحظة هي الوحيدة التي انتبهت لها من المحاضرة كاملة إذ منعتني من التركيز في الباقي وعادت بي إلى نقاش آخر دار بيني وبين رفيق منذ أيام عن العيون أيضاً وأسطورة نرجس والبحيرة حيث ناقشنا مدى التغيير الذي أضفاه باولو كويلو على أسطورة  نرجس بذكره لجانب البحيرة من القصة والتي فاضت أدمعاً لا لتلاشي جمال نرجس بغرقه بل لتوديع انعكاسها الجميل والذي ما كانت لتدركه لولا تواجد عيون نرجس دائم الاطلاع على صفحة مائها وهو ما اتخذه باولو كويلو مدخلاً لروايته التي تدور عن فكرة تأمل الانسان لابداع تكوينه وجماله من خلال ماهو أجمل منه ألا وهو الكون من حوله. 

ولهذا السبب تحديداً أثرت فيّ هذه المحاضرة والملاحظات لاثباتها لي أننا كبشر وبِجُلّ ما فينا من تراكيب ودقة لسنا بمفصولين البتّة عن الكون من حولنا بل ربما نكون نسخة مصغرة ومضغوطة مما يدور حولنا وإن ما بدأت الكتابة عن هذه النقطة فلن تسعني تدوينة اليوم لحصر أفكاري ولكن يكفيني من ذلك أن اضرب مثالاً سريع بالدماغ المشابه بشدة للمجرات وربما يكون هذا المثال الأخير مدخلاً للنص المؤجل لفترة طويلة والذي ربما تتاح لي الفرصة للكتابة عنه وعن نواحيه المثيرة للعجب. 

 


 

دواؤك فيك و ما تشعُر 

وداؤك مِنك و ماتُبصُر 

وتحسبُ أنك جرمٌ صغيرٌ

وفيه انطوى العالمُ الأكبرُ .

- علي بن أبي طالب


تعليقات

  1. ذات المحاضرة بعيون المتأملة be like ... 💕💕

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

يا المولع ناري..

فن المُلاحظة؟

أينما حللت كُن غزيراً،مُتجذراً وأزهر...

هل نسير في خط مستقيم أم دوائر متعددة ؟

لِم نَبكي؟