الفضول يُرديني ويُحييني

 


مؤخراً بِتُ مطمئنة لفكرة أن وكما أنه مكتوبٌ على المرء منا أن يعيش حياة ناقصة بلا إجابات كاملة إلا أن الاسئلة تتغير والإجابات تُعطى في وقتها المُحدد بلا عجلة ولا تأخير ..

ومؤخراً أيضاً وجدتُ إجابات لاسئلة عديدة لم أحسب أنني متحصلة على الإجابة بين يدي ذات يوم ولكنها حدثت وبطريقة لم أبذل فيها أي جهد البتة، جاءت خفيفة رُغم حدة الاسئلة ...

ولعل أول هذه الاسئلة: لم كُتب علينا وعلى هذه الحياة أن نكون ناقصين وبعيدين عن الكمال، وإن كنّا كذلك فما بال كل هذا التوق إليه بداخلنا رغم وعينا التام أننا غير مُدركينه يوماً ؟ 

فجائني الجواب وقد لا يكون الأخير من نوعه لهذا السؤال، أنه ربما بدون هذا النقص وهذا التوق المُضاد لما استمرت الحياة ولما تجددت ولما تطورت، لاكتفينا بأول إنسان كامل وبتنا نُسخ طبق الأصل عنه وفقدنا قيمة هذه الحياة وفقدنا المعنى في أن لكل منا دور لابد أن يؤديه وهو منطلق بحثاً عن نسخته الأفضل من نفسه. قد لا يفكر الجميع كذلك وقد أكون إحدى ضحايا متلازمة المُحتال ولكنني متمسكة بهذه الإجابة حالياً لدفعي للمحاولة ولتذكيري بأن لا شيء خُلق ليكون كاملاً وأنما خُلق كل شيء ناقصاً ليسعى واجداً بذلك المعنى في سد هذا النقص  .. 

ثم إجابة أخرى لسؤال آخر فحواه أن من أين لأدمغتنا كل هذه المساحة الهائلة ونحن نسعى لاكتساب المزيد من المعرفة، والمجتمع الرأسمالي يدفعنا لاكتساب المزيد من الخبرات والمهارات، والعالم الذي بات قرية صغير يشدّنا لِنتقن عدّة لُغات حتى لا نشعر بالغربة في قرية صغيرة وزملائنا يدفعوننا لتكديس شهادات عدة غير مهم محتواها طالما كانت مُعتمدة.. المهم في سؤالي من أين لدماغنا البشري - والذي يشغل ٢٪ فقط من إجمالي وزن الجسم - كل هذه المساحة التخزينية لاستيعاب كل ذلك إضافة لذكرياتنا، ردات أفعالنا، حركاتنا اليومية، وكل تلك التفاصيل وكأنه أرشيف لا ينفك عن التوسع مع عقارب الساعة؟! 

ولكن الإجابة أدركتني في عز سعيّ الدؤوب لاكتناز المزيد من المعرفة التي أجلتها كثيراً وأنا أقرأ فصلاً في كتاب يتحدث عن تاريخ المرونة العصبية لأدرك أن الدماغ البشري كلما أعتاد صاحبه على الأمر أو المهارة المُكتسبة وبات متمرساً فيها مُتقناً لها كلما تقلص حجم الخرائط أو المساحة الذهنية المطلوبة لذاك الأمر وهو العكس تماماً لما ظننته أننا قد نحتاج للمزيد من المساحة، إذ قد يكون حجم الخريطة الذهنية المطلوبة لشخص مبتدىء في تعلم البيانو كبيراً ليشمل عضلات يديه وكتفيه وحتى عضلات وجهه نظراً لانفعاله الكبير مع شيء جديد بكل حواسه إلا أن ذات الخريطة تتقلص وتصبح أكثر تخصصية لتشمل إصبعاً واحداً لكل نوتة بدلاً من الجسم بأكمله حين يضحي متمرساً، وهل تذهب تلك الخلايا غير المطلوبة الآن هدراً ؟ لا فللدماغ قاعدة مُهمة تقضي بأن " Use it Or Lose it " ما لا يتم إستخدامه يتم فقدانه لا بتوقفه عن العمل بل بتخصيصه لما هو أهم فقد تُحول تلك الخلايا التي كانت مسؤولة عن حركات الوجه غير الضرورية للاعب البيانو المبتدىء لتصبح مسؤوولة عن تعبير مُعين اعتاد لاعب البيانو القيام به كتعبير عن رضاه عن المستوى الذي بات عليه الآن وبحجم الإمتنان لذاته ومواصلته للعزف يتم ترسيخ هذا التعبير على وجهه وكذلك على خريطة دماغه. والأمثلة عديدة ومتنوعة كالعجز الغريب الذي يطرأ على من سافر لبلد أجنبية إضطر تعلم لغة جديدة فيها لمواصلة حياته وبات لسانه مشغولاً بها طوال ليله ونهاره، ذاك العجز الغريب الذي يصاحب محاولته للحديث بلغته الأم بعد سنين طويلة صادف فيها شخصاً من بلده الام ذات يوم ليتفاجئ بأنه لغته باتت ركيكة. قد لا يتمثل ذلك في طلاقة لسانه بل قد يتضح في عجزه عن التعبير عن أفكاره ومشاعره بمرادفات لغته الأم ليسأل نفسه ما مرادف هذه الكلمة الأجنبية في لغتي الأم ويتفاجئ إما بالجهل تماماً أو بوجود ذكرى ضبابية عن الكلمة لا يسعه استرجاعها وذلك لأن اللغة التي باتت مهيمنة على جزء اللغة بداخل دماغه وجزء التفكير باتت لُغة أخرى أزاحت لغته الأم عن مكانها تماماً .. 

السؤال الذي يليه ليس بعيداً عن النظرية السابقة والذي يقضي باستغرابي عن سبب توقف تلك المرونة الخارقة لادمغتنا ونحن فتية صغار عندما نتقدم في العمر بل وحتى في الصِبا خلال مرحلة عُمرية معينة، واكتشفت في ذات الكتاب الذي علّمني الكثير أن هذا الخط الفاصل وعلامة التوقف مطلوبة من أجل الثبات، الثبات على ردات الفعل الأولية المهمة للبقاء، الثبات على المبادىء التي نشأنا عليها، الثبات على الكيفيات الأولية لهذه الحياة وخوفاً من التغيير المُفرط وأنه ولولا توقف هذه القدرة الطفولية الهائلة على إمتصاص كل شيء وتعلمه واعتماده لكنا في حالة تغيير مستمر وإمتصاص لكل شيء من حولنا ولما وُجدت ثوابت من الأساس بل قد نضطر للمشي بطريقة جديدة كل يومين !! ولكن ذلك لا يعني عدم التغيير فلا زلنا نتغير ولكن تَحول التغيير من كونه سهلاً تلقائياً في مرحلة الطفولة إلى تغيير مربوط ببذل الجهد على ما نظنه تغييراً مرغوباً، فإن ما ظنناه كذلك بذلنا الجهد لاكتسابه لأن دماغنا خلال وما بعد مرحلة النضج يتعرّف على الأمور المهمة والضروري حفظها بالتكرار وحجم الجهد والزمن المبذولان من أجلها وحسب، ولعل ذلك تماماً هو الجميل في الأمر إدراك حقيقة أن التغيير صعب ولكنّه ليس مستحيلاً . 

السؤال الذي يليه مُغاير تماماً وبعيد عن الجانب العلمي وينقلنا للجانب الفنّي والتراثي لموطني وهو سؤال دائماً ما تردد بداخلي في كل مرة أرافق فيها والدي في مشوار ما على السيارة حين يُدير المذياع الذي يبثُ أحد الاغاني ليخبرني والدي أنها من أجمل أغاني الحقيبة والزمن الجميل فأفهم كونه زماناً جميلاً ولكنني أظل حائرة عند الوقوف أمام تسمية تلك الاغاني بأغاني الحقيبة وأي حقيبة وهل هي مُشتقة من كلمة "حِقبة"وتنطق باللهجة الدارجة لدينا  "حقيبة" ولمّا كُنتُ مهووسة بأصل تسمية الاشياء ظلّ السؤال متمركزاً بداخل لا وعيّ لأنال الإجابة وأخيراً ذات مساءٍ صيفي أفتح فيه التلفاز ساعة ضجر وأقلّب القنوات ليقع الاختيار على الجزيرة الوثائقية بناءً على تفضيل والدتي ويكون البرنامج المُختار من بين كل البرامج برنامج " الإذاعة العربية" وتكون الحلقة من بين كل الحلقات " الإذاعة السودانية.. هُنا أم دُرمان " يا للحنين الذي بُث فينا وقتها ونحن خارج تلك البلاد الحبيبة ولكن الحلقة خبأت لي أكثر من ذلك، دفعت لي بإجابة سؤالي القديم في زمان لم يعد للمذياع والإذاعة فيه وجوداً، حين يشرح ضيف الحلقة أن من أول البرامج على إذاعة أم درمان برنامج يسمى " من حقيبة الفن "  حين اعتاد المستمع بعد سماع شارة البرنامج أن يُنصت لصوت حقيبة حقيقية تُفتح ليتخير المذيع من داخلها أغنية يتم بثها على الإذاعة ليستمع إليها السودان بأكمله، يتأثرون بكلماتها للدرجة التي جعلتهم لا يذكرون سوى هذه الأغانِ المبثوثة على الإذاعة ليُورّث ذات التفضيل والتأثر للأجيال من بعدهم وهم يرددون عند سماع واحدة من تلك الأغنيات : "يا سلااااااام أغاني الحقيبة" دون أن يعرفوا أي حقيبة تلك ومن صاحبها ! 

أو كتلك المرة التي تسائلتُ فيها ذهاباً وإياباً وأنا أمر بحي غَمرة في القاهرة عن سبب تسميتها بذلك، لتأتيني الإجابة خلال دردشة لطيفة مع صديقة لطيفة أيضاً تُخبرني فيها أن لها جدة تعيش في ذات المنطقة وقد قصّت لها كم كان الحي عطوفاً وبهيجاً، مِخضراً أينما ذهبت، وكما كان بأجوائه وطيبة من فيه يغمرك بدفىء وترحاب شديد، فُحبب لعقلي الفلسفي وقتها أن يُحيل أصل الاسم لمدينة بعيدة عن القاهرة، لِلبنان وكلماتها الحانية ولفظ " غمر " و " أغمرني" للتعبير عن الحضن والاحتضان وهل أجمل من تسمية مكان احتضنك ذات يوم بإسم "غمرة" !

في نهاية الأمر هكذا هو عقلي الشبكي كغيري من ذوات جنسي، لا أنفكُ عن التفكير في كل شيء وشيء وإن حِزتُ إجابة لسؤال، أبحث بعدها عن ألفِ سؤال وسؤال فلا تلمني إن كنت كثيرة الاسئلة وشديدة الفضول فبصراحة سيظلُ الفضول يُرديني ويُحييني...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمرأة عامِرة.

لِم نَبكي؟

هل نسير في خط مستقيم أم دوائر متعددة ؟

بين شرودٍ وعيون.

أينما حللت كُن غزيراً،مُتجذراً وأزهر...