من رفع سقف دهشتك ؟
- صوت خربشات صغيرة على الباب في ليلة شتوية قارصة صدرت من ذاك المخلوق العجوز والصغير الذي أحضره لنا والدي ذات مرة ، وقد أخبرنا وهو يحملها بفخر أنها تُدعى سلحفاة وهذه - ثم أشار للشئ الملتف حول ظهرها وبطنها - صدفتها حيث تختبئ عند إحساسها بالخطر ، ويا لإعجابنا بهذا الكائن الوقور والممل أيضاً حيث أقتصرت حركاته على الاختباء والخربشة . ثم تحولت دهشتنا وإنصب اهتمامنا في وقت لاحق حول مخلوق آخر صغير ولكن كم جعلته أشواكه الحادة والمنتصبة كبيراً ومخيفاً بشكل ما ، وما كنا لنرى هذه الأشواك البنية لولا إصرارنا الملح على والدي لإخراجه من الصندوق الكرتوني ولو لم تحتسب مراقبة عن كثب بل من بعد متر ولكننا كنا مذهولين بصورة تفوق عقولنا الصغيرة آنذاك ومسرورين للغاية ونحن نفكر في حزن ذاك المخلوق الصغير الذي يدعى قنفذ لتكون كومة الأشواك هذه أبوه فقد أخبرنا والدي أنه يدعى (أبو القنفد ) وكم كان أمراً مضحكاً تذكر كم كانت عقولنا سخيفة وقتها . ثم بشكل مسرحي ومتقد للغاية جلسنا جميعاً على الأرض ونحن نراقب بسعادة هذا الصندوق العجيب الذي يصدر منه ضوء طويل ومتراقص وملوّن والذي تحول بصورة سحرية إلى فيلم كرتون عندما لامس الحائط وكم أذهلتنا حقيقة أنه توجد أفلام كرتون في حائط منزلنا إلا انها تحتاج لهذا الضوء العجيب لتظهر، وكم تفاخرنا بهذا الامر بين أطفال الحي والمدرسة . وأجدني أذكر شيئا سحرياً آخر قد قام به والدي في ليلة شتوية رائعة صادف فيها إنقطاع الكهرباء فقد قام أبي بتشغيل المصباح بتوصيله مع السيارة بأسلاك تُشبه تلك التي استعملها فرانكشتاين لصنع وحشه في الفيلم الذي شاهدناه قبلها بأيام . ثم بعدها بوقت ليس بطويل وليس بقصير عاد والدي من العمل وهو يحمل بين يديه شيئاً غريباً ذو عدسات ثلاث مثبتة بأنابيب طويلة وبما أنني كنت أدرس العلوم وقتذاك أخبرت إخوتي بفخر أنه يسمى مجهراً ضوئياً فربّت أبي بخفة على كتفي ثم أحضر قشرة بصل ووضعها برفق تحت العدسة وتمتعنا جميعاً بالشكل السداسي الذي تبدو عليه الخلايا النباتية وصرنا نصيح ونقفز هنا وهناك ثم أمرتُ أخي بوضع يده تحت المجهر لأريهم كيف تبدو الجراثيم عندما تمتنع عن غسل يديك ولكن المجهر لم يعرض أي شئ كما حدث مع أبي فضحك أبي بصوت عالي وهو يقول ليس بهذا المجهر وليس بهذه الطريقة حتى ، ثم بات يشرح لنا عن المجاهر وأنواعها وطريقة إستعمالها كما كان يفعل في كل مرة يفتح فيها باب المنزل وهو يحمل لنا شيئا مشوقاً ليخبرنا أموراً مذهلة عنه ، القنافذ والسلاحف وأجهزة العرض والبطاريات السائلة والأسماك والأورغان والأكورديون والكثير من الأمور التي نجحت في إبهارنا ونحن أطفال وأجدني ألاحظ اليوم أبي وهو شارد في إحدى جلساته المسائية فأخبرني حين سؤالي إياه فيما معناه بأنه لم يعد يملك ما يبهرنا به !!
فإبتسمت بإمتنان وقلت له فيما معناه أيضاً بأنه قد حان دورنا الان لإبهارك .
- ملاحظة:
ما سبق هو أحد نصوصي القديمة للغاية والتي تحفظتُ عليها دون نشرها لقيمة هذه الذكرى عندي وخوفاً من نقصان قيمتها إن قمتُ بنشرها بغرض المشاركة لا بغرض الذكرى الذي دفعني لكتابته قبل أعوام من الآن، وأجدني اليوم في حاجة ماسة للذكرى التي تبثُ فيّ حسّ المسؤولية في كل مرة أتخبط فيها في الحياة بحثاً عن مغزى لما أسعى وراءه، ربما يكون نصاً طفولياً ولكن لم أعد أملك من ذاك الزمان سوى الذكرى التي يعيدها هذا النص الطفولي وهو ما جعلني عاجزة عن تنقيح النص أو تعديله بأي صورة كانت خوفاً من أن تتشوش بذلك الذكرى ويتشوش إثر ذلك الكثير ..

تعليقات
إرسال تعليق